على امتداد القمم الجبلية الشاهقة في شمال بيجين، ينتصب سور الصين العظيم كواحد من أعظم الشواهد التي خلفتها الحضارة الإنسانية عبر التاريخ. فكل حجر من أحجاره يروي قصة أجيال آمنت بالعمل والمثابرة، وتحملت المشاق من أجل تحقيق أهداف كبرى تجاوزت حدود الزمن. وبين الماضي السحيق والحاضر المزدهر، تتجلى في هذا الصرح العملاق ملامح الشخصية الصينية التي صنعت مجدها بالصبر والانضباط والإرادة، وهي القيم ذاتها التي مهدت الطريق للنهضة الاقتصادية والعلمية التي تعيشها الصين اليوم.
وفي إطار الدورة التدريبية المتخصصة الموجهة للإعلاميين ومسؤولي المؤسسات الصحفية من موريتانيا، التي ينظمها مركز التعليم والتدريب لمجموعة النشر والتوزيع الدولي الصينية، واصل الوفد الإعلامي الموريتاني برنامجه الاستطلاعي بالعاصمة بكين، حيث قام صباح اليوم بزيارة ميدانية إلى سور الصين العظيم، أحد أشهر المعالم التاريخية في العالم وأكثرها حضورًا في الذاكرة الوطنية الصينية.
وخلال الزيارة، تجول أعضاء الفريق في المكان لاكتشاف تاريخ السور ومراحل بنائه ودوره في حماية البلاد عبر العصور، كما اطلعوا على الأبعاد الحضارية والثقافية التي جعلت منه رمزا للصمود والإرادة الجماعية للشعب الصيني.
ويعد سور الصين العظيم من أعظم الإنجازات الهندسية التي عرفتها البشرية، إذ شيد على مراحل متعاقبة عبر عدد من السلالات الحاكمة، وفي مقدمتها أسرتا تشين ومينغ، بهدف حماية الحدود الشمالية للصين. وقد تحول مع مرور الزمن إلى أحد أبرز رموز الهوية الصينية، وأُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، ليصبح شاهدا خالدا على عبقرية الإنسان وإصراره على تحقيق أهدافه مهما بلغت التحديات.
ويمتد السور لأكثر من 21 ألف كم عبر 15 إقليما صينيا، عابرا الجبال والوديان والصحارى والسهول، في مشهد يثير الإعجاب ويبرز حجم الجهد البشري الهائل الذي تطلبه إنجازه. ومن أشهر مقاطعه المفتوحة للزوار قسم بادالينغ القريب من بيجين، والذي يعد الأكثر شهرة وترميما، إلى جانب مقاطع موتيانيو وجيانكو وشانهايغوان وجيايوغوان، ولكل منها خصوصيته التاريخية والجغرافية.
وكان السور منظومة دفاعية متكاملة تضم أبراج مراقبة وإنذار وثكنات للجنود وممرات استراتيجية ومراكز قيادة عسكرية، ما يبرز مستوى متقدما من التنظيم والتخطيط العسكري في الصين القديمة. وقد ساهمت هذه المنظومة في حماية البلاد وتعزيز استقرارها لقرون طويلة.
وخلال الجولة، لفت انتباه أعضاء الوفد أن بناء هذا الصرح العملاق كان ثمرة عقود طويلة من العمل المتواصل والتضحيات والصبر والإيمان بالأهداف الكبرى. وهي القيم ذاتها التي ما تزال حاضرة بقوة في التجربة الصينية الحديثة، حيث استطاعت الصين خلال العقود الأخيرة أن تحقق واحدة من أسرع وأكبر عمليات التحول الاقتصادي والتنموي في التاريخ المعاصر.
ومن خلال التأمل في سور الصين العظيم، تتضح العلاقة الوثيقة التي تربط حاضر الصين بماضيها؛ فالإصرار الذي دفع الأجيال السابقة إلى تشييد هذا المشروع العملاق وسط ظروف طبيعية قاسية، هو نفسه الذي مكن الصين الحديثة من بناء شبكة هائلة من البنى التحتية، وتطوير صناعات متقدمة، وتحقيق قفزات علمية وتكنولوجية جعلتها في مصاف القوى الاقتصادية الكبرى في العالم.
كما تبرز في هذه المعلمة التاريخية الفلسفة الصينية القائمة على التخطيط بعيد المدى والعمل المتدرج والصبر على المشاق حتى تتحقق النتائج. فالتنمية في التجربة الصينية جاءت ثمرة رؤية طويلة النفس، وإرادة جماعية آمنت بأن الإنجازات الكبرى تحتاج إلى الوقت والجهد والانضباط.
وقد شكلت الزيارة فرصة ثمينة للوفد الإعلامي الموريتاني للتعرف عن قرب على أحد أبرز رموز الحضارة الصينية، وفهم جانب من الخلفيات الثقافية والتاريخية التي أسهمت في صياغة التجربة التنموية للصين المعاصرة، كما أتاحت لهم الوقوف على نموذج حضاري يجمع بين الاعتزاز بالماضي والانفتاح على المستقبل، وبين القوة الاقتصادية والنهج السلمي القائم على التعاون والشراكة مع مختلف شعوب العالم.
ويبقى سور الصين العظيم أحد أبرز الشواهد الخالدة على عبقرية الإنسان وإرادة الشعوب. فمن فوق أحجاره العتيقة تتجلى قصة أمة آمنت بالعمل والصبر والتخطيط بعيد المدى، واستطاعت عبر القرون أن تحول التحديات إلى إنجازات. وتبرز من خلاله الصلة العميقة بين تاريخ الصين وحاضرها، حيث تواصل البلاد مسيرتها التنموية بالروح نفسها التي شيدت هذا الصرح العملاق؛ روح المثابرة والانضباط والإيمان بأن الأهداف الكبرى تتحقق بالإرادة والجهد المتواصل. ولذلك يظل السور رمزا وطنيا وحضاريا يروي للأجيال قصة شعب صنع مجده عبر العمل الدؤوب، وواصل بناء مستقبله بثقة واقتدار.





