لقد أثبتت تجارب الأمم الناهضة أن الاستقرار السياسي والمؤسسي يمثل حجر الأساس لأي مشروع تنموي طموح. وتبرز التجربة الصينية باعتبارها واحدة من أكثر التجارب نجاحا في العصر الحديث، حيث استطاعت أن تحقق تحولات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة في ظل نظام سياسي اتسم باستمرارية الرؤية ووحدة التوجه وتركيز الجهود على البناء والإنتاج والتنمية. ويرى كثير من المهتمين بقضايا التنمية أن الانشغال المستمر بالصراعات السياسية والتجاذبات الانتخابية في بعض الدول النامية قد استنزف جزءا كبيرا من طاقاتها ومواردها، وأبطأ وتيرة التنمية، في حين أتاح الاستقرار السياسي للصين فرصة توجيه إمكاناتها نحو تشييد البنى التحتية العملاقة، وتطوير التعليم والصناعة والتكنولوجيا، وتحقيق قفزات اقتصادية جعلتها في مصاف القوى الكبرى.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة وتنافسا محموما بين الأمم من أجل تحقيق التنمية والازدهار، تظل التجربة الصينية مصدر إلهام للعديد من الدول الساعية إلى بناء مستقبل أكثر ازدهارا. فقد تمكنت الصين، خلال عقود قليلة، من الانتقال من دولة تعاني الفقر والتخلف إلى قوة اقتصادية عالمية تقود العديد من القطاعات الصناعية والتكنولوجية والمالية على مستوى العالم.
ويعود جانب كبير من هذا النجاح إلى وضوح الرؤية الاستراتيجية، والانضباط في تنفيذ الخطط التنموية، واعتماد منهج يقوم على التخطيط طويل المدى، وربط الأداء بالنتائج، وجعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية أولوية وطنية تتجاوز الاعتبارات الظرفية والخلافات السياسية اليومية.
كما تعد تجربة رواندا مثالا إفريقيا حيا على الاستلهام من النمط الصيني الذي يركيز على التنمية والاستقرار، حيث استطاعت خلال فترة وجيزة أن تتحول إلى نموذج تنموي لافت في مجالات البنية التحتية والخدمات العامة والاستثمار والحكامة، مستفيدة من وضوح الرؤية وتوجيه الجهود نحو البناء والإنجاز.
وفي موريتانيا، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى إلى إطلاق مرحلة جديدة يكون عنوانها التنمية الشاملة وتسريع وتيرة الإنجاز. فالتحديات المرتبطة بالتشغيل والتعليم والصحة والبنية التحتية واستغلال الموارد الطبيعية تتطلب تعبئة وطنية واسعة، يكون محورها الإنتاج والعمل والنتائج الملموسة.
لقد شهدت البلاد خلال العقود الماضية تجارب سياسية متعددة، وأسهمت في ترسيخ عدد من المكاسب، غير أن حجم التحديات التنموية القائمة يفرض الانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزا على الإنجاز والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. فالأمم لا تقاس بكثرة الجدل السياسي، وإنما بما تحققه من مشاريع تنموية، وما توفره من فرص العمل، وما تنجزه من تحسين لمستوى حياة مواطنيها.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى وضع خطط تنموية واضحة المعالم تمتد لعشر سنوات أو أكثر، تحدد فيها الأهداف بدقة، وترصد لها الموارد اللازمة ويحارب الفساد بصرامة، وتخضع الخطط للتقييم الدوري وفق مؤشرات أداء واضحة. فالتنمية الحقيقية لا تبنى في أشهر أو سنوات قليلة، وإنما تحتاج إلى رؤية بعيدة المدى وإرادة قوية وانضباط في التنفيذ ومتابعة مستمرة للنتائج.
إن الاستفادة من التجربة الصينية لا تعني استنساخها حرفيا، وإنما استلهام عناصر نجاحها الأساسية المتمثلة في الاستقرار المؤسسي، والتخطيط طويل الأمد، وربط المسؤولية بالنتائج، وتوجيه الجهود الوطنية نحو البناء والإنتاج. وعندما تصبح التنمية مشروعا وطنيا جامعا تتوحد حوله الطاقات والإمكانات، فإن موريتانيا ستكون قادرة على تحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية حقيقية، تستجيب لتطلعات شعبها وتؤسس لمستقبل أكثر ازدهارا واستقرارا.





