في سياق الدورة التدريبية المتخصصة الموجهة للإعلاميين ومسؤولي المؤسسات الصحفية من موريتانيا، والتي ينظمها مركز التعليم والتدريب لمجموعة النشر والتوزيع الدولي الصينية، احتضنت بكين صباح اليوم محاضرة علمية رفيعة المستوى قدمتها هناء لي ينغ، نائبة مدير قسم اللغة العربية بمركز إعلام أوروبا الغربية وإفريقيا في دار مجلة الصين اليوم التابعة لـ المجموعة الصينية للإعلام الدولي، تناولت خلالها فلسفة التحديث الصيني النمط ومساراته الفكرية والعملية، باعتباره نموذجاً تنمويا مستقلا يقدّم رؤية صينية متكاملة للتنمية في العصر الحديث.
وقد شكلت المحاضرة محطة معرفية عميقة للإعلاميين الموريتانيين المشاركين، حيث استعرضت المحاضِرة الأسس الفكرية التي قامت عليها التجربة الصينية الحديثة، مؤكدة أن الصين، بعد دراسة مسارات التحديث الغربي، أدركت أن ذلك النموذج لا يلائم خصوصياتها الوطنية ولا يلبي احتياجات كثير من دول العالم النامي، لتختار بناء طريقها التنموي الخاص المرتكز على واقعها الحضاري والتاريخي والاجتماعي، وهو ما أصبح اليوم يعرف بـ"التحديث الصيني النمط".
وأوضحت أن هذا المسار هو ثمرة عقود من العمل المتواصل والإصلاح والانفتاح، مكنت الصين من تحقيق قفزات نوعية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإنجاز التحول من بلد نامٍ إلى قوة اقتصادية عالمية مؤثرة، مع المحافظة على خصوصيتها الثقافية وموروثها الحضاري.
وأكدت أن القيادة الصينية، بقيادة شي جين بينغ، جعلت من التحديث الصيني النمط مشروعاً وطنياً شاملاً، يقوم على خمسة مرتكزات رئيسية: تحديث يشمل عددا سكانيا هائلا، وتحقيق الرخاء المشترك لجميع المواطنين، والتوازن بين التقدم المادي والنهضة الثقافية، والتعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة، والسير في طريق التنمية السلمية.
وأضافت أن التجربة الصينية استطاعت، خلال السنوات الأخيرة، تحقيق إنجازات كبرى في القضاء على الفقر المدقع، وتحسين مستوى المعيشة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، وتوسيع مجالات الابتكار، بما جعلها تقدم نموذجاً ملهمًا للدول الساعية إلى بناء مسارات تنموية مستقلة، خاصة في أفريقيا والعالم العربي.
وتوقفت المحاضرة عند البعد الحضاري للنموذج الصيني، موضحة أن التحديث في الصين هو مشروع حضاري متجذر في الثقافة الصينية الممتدة لآلاف السنين، مستلهم من فلسفات الانسجام، والعدالة، وخدمة الشعب، والتوازن بين الإنسان والطبيعة، وهي مبادئ أسهمت في بناء تصور تنموي مختلف عن النموذج الغربي التقليدي.
كما أبرزت المحاضِرة التزام الصين الراسخ بالتنمية الخضراء، مشيرة إلى أن السياسات البيئية أصبحت ركناً أساسياً في الرؤية الصينية الحديثة، حيث نجحت البلاد في إطلاق أكبر مشاريع الطاقة النظيفة في العالم، وتعزيز التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون، انسجاما مع أهداف التنمية المستدامة وبناء مستقبل بيئي متوازن.
وخلال محاضرتها، خصصت الأستاذة جانبا مهما للحديث عن التجربة الصينية في مجال البيئة والتنمية الخضراء، مؤكدة أن هذا المجال أصبح ركناً أساسياً في فلسفة التحديث الصيني النمط، ومعبّراً بوضوح عن رؤية الذي يقول إن الجبال الخضراء والمياه النقية تساوي جبالا من الذهب والفضة، في إشارة إلى أن حماية البيئة تمثل ثروة حقيقية وأساساً للتنمية المستدامة.
وأوضحت أن الصين حولت هذه الرؤية إلى سياسة وطنية شاملة، فاعتمدت برامج واسعة للتشجير، ومكافحة التصحر، وتحسين جودة الهواء والمياه، والاستثمار في الطاقة النظيفة، بما في ذلك مشاريع الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية، لتصبح من أكبر الدول عالمياً في مجال الاقتصاد الأخضر والتحول البيئي.
وأضافت أن الصين تنظر إلى التنمية البيئية باعتبارها جزءا من مشروعها الحضاري الحديث، حيث يجري الدمج بين الصناعة النظيفة، والنقل المستدام، وحماية الموارد الطبيعية، مع الالتزام بأهداف الحياد الكربوني بحلول عام 2060، معتبرة أن هذه التجربة تفتح آفاقاً واسعة أمام التعاون مع ، خاصة في مجالات مكافحة التصحر، واستصلاح الأراضي، وتنمية الطاقات المتجددة، بما يخدم مستقبل التنمية المشتركة بين البلدين.
كما تناولت الأستاذة تجربة في القضاء على الفقر، معتبرة أنها من أبرز الشواهد العملية على نجاح التحديث الصيني النمط، حيث استطاعت البلاد، في واحدة من أكبر التجارب التنموية في التاريخ المعاصر، انتشال ما يقارب مائة مليون شخص من الفقر المدقع، وتحقيق تحول جذري في حياة الملايين عبر خطط دقيقة استندت إلى التنمية المحلية، وتطوير البنية التحتية، ودعم التعليم، وتوسيع فرص العمل.
وأكدت أن الصين لم تنظر إلى الفقر على أنه تحدّ اقتصادي فحسب، وإنما جعلت القضاء عليه جزءا أصيلا من مشروع العدالة الاجتماعية وبناء مجتمع رغيد الحياة، عبر سياسات موجهة إلى المناطق الريفية والأكثر هشاشة، بما ضمن توزيعاً أوسع لثمار التنمية، وجعل الرخاء المشترك هدفا مركزيا في مسار الدولة. وأضافت أن هذا الإنجاز يعكس قدرة النموذج الصيني على الجمع بين التخطيط طويل المدى والإرادة السياسية، مقدما للدول النامية، ومنها ، تجربة ملهمة في تحويل التنمية إلى أداة مباشرة لتحسين حياة الإنسان وصناعة مستقبل أكثر إنصافاً واستقرارا.
كما خصصت الأستاذة جزءاً من محاضرتها للحديث عن الطفرة العلمية والتكنولوجية التي حققتها خلال العقود الأخيرة، مؤكدة أن التقدم العلمي أصبح أحد أبرز تجليات التحديث الصيني النمط، وأداة مركزية في تعزيز مكانة البلاد على الساحة الدولية.
وأشارت إلى أن الصين حققت إنجازات لافتة في مجالات الصناعات الدقيقة والابتكار المتقدم، بدءاً من برامج الفضاء واستكشاف القمر وإطلاق المركبات الفضائية والأقمار الصناعية، وصولاً إلى تطوير الغواصات المتقدمة والتكنولوجيا البحرية، بما يوضح تحولها إلى قوة علمية ذات حضور عالمي. وأوضحت أن هذه النجاحات لم تأتِ بمعزل عن الاستثمار المستمر في التعليم والبحث العلمي، وتكوين الكفاءات، وربط الجامعات بالصناعة ومراكز الابتكار.
وأضافت أن ما وصلت إليه الصين في علوم الفضاء والتقنيات البحرية يمثل ثمرة رؤية بعيدة المدى، جعلت من المعرفة والبحث العلمي أساسا للنهوض الوطني، ورسخت قناعة بأن امتلاك التكنولوجيا هو مفتاح الاستقلال والسيادة والتنمية. واعتبرت أن هذه التجربة تفتح أمام الدول الصديقة، ومنها ، فرصاً واسعة للاستفادة من الخبرات الصينية في مجالات التكوين العلمي والتقني، بما يعزز بناء القدرات الوطنية ومواكبة التحولات العالمية.
كما تناولت الأستاذة التطور الكبير الذي حققته في المجال الطبي، مؤكدة أن القطاع الصحي يمثل أحد النماذج البارزة لنجاح التحديث الصيني النمط، حيث استطاعت البلاد بناء منظومة صحية متقدمة تجمع بين الابتكار العلمي والخدمة المجتمعية الواسعة.
وأوضحت أن الصين شهدت خلال العقود الأخيرة قفزات نوعية في البحث الطبي، وصناعة الأدوية، والتجهيزات الطبية الحديثة، والعمليات الجراحية الدقيقة، إضافة إلى تطوير تقنيات العلاج الذكي والطب الرقمي، مما جعلها في طليعة الدول المؤثرة في القطاع الصحي عالمياً. كما أشارت إلى أن المستشفيات الصينية ومراكز البحث العلمي أصبحت فضاءات متقدمة للابتكار، خاصة في مجالات مكافحة الأمراض المستعصية، وزراعة الأعضاء، والذكاء الاصطناعي الطبي.
وأضافت أن هذه الإنجازات توضح رؤية الصين التي جعلت صحة الإنسان محورا رئيسيا للتنمية، عبر الاستثمار في الكفاءات الطبية، وتوسيع خدمات الرعاية الصحية، وتعزيز البحث العلمي، بما يوفر فرصا واعدة للتعاون مع في مجالات التكوين الصحي، وتبادل الخبرات، ودعم البنى الطبية الحديثة.
وفي الجانب الدولي، شددت على أن الصين تنتهج سياسة قائمة على السلام والتعاون المتكافئ، وترفض منطق الهيمنة والصراعات، مبرزة أهمية مبادرات الصين العالمية، وفي مقدمتها مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، باعتبارها مساهمة صينية في صياغة نظام دولي أكثر عدلا وتوازنا.
وقد شكلت المحاضرة فضاءً علميا خصبا للنقاش، مكن المشاركين من الاقتراب أكثر من فهم الفلسفة التي تقود التحولات الكبرى في الصين اليوم، كما عززت إدراكهم لعمق العلاقات الصينية الموريتانية، وما تتيحه من فرص استراتيجية للتعاون الإعلامي والثقافي والتنموي، في ظل شراكة تتجه بثبات نحو آفاق أرحب من التنسيق والتكامل بين البلدين الصديقين.





