ضمن برنامجها الاستطلاعي المكثف في ينتشوان، واصلت البعثة الإعلامية الموريتانية المشاركة في الدورة التدريبية المتخصصة للإعلاميين ومسؤولي المؤسسات الصحفية، المنظمة من طرف مركز التعليم والتدريب لمجموعة النشر والتوزيع الدولي الصينية، زياراتها الميدانية إلى أبرز النماذج التنموية والعلمية في الصين، حيث حط الوفد رحاله هذه المرة في محطة شابوتو لأبحاث وتجارب الصحراء التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم، الواقعة عند الحافة الجنوبية الشرقية لصحراء تينغر بمنطقة نينغشيا.
ومنذ اللحظات الأولى للوصول إلى المنطقة، بدا المشهد وكأنه لوحة طبيعية آسرة تمتزج فيها زرقة السماء الذهبية بانسيابية النهر الأصفر وسط كثبان الرمال الممتدة. وقد تحولت المنطقة إلى وجهة سياحية وبيئية متميزة تستقطب الزوار من داخل الصين وخارجها، بفضل الممرات البيئية والمرافق السياحية التي شيدت بعناية على ضفاف النهر الأصفر، حيث تتعانق الطبيعة الصحراوية مع المساحات الخضراء والإطلالات النهرية الخلابة.
وخلال الزيارة، تلقى الوفد عرضا مفصلا حول تاريخ محطة شابوتو التي تأسست عام 1955 كأول محطة أبحاث ومراقبة ميدانية شاملة طويلة المدى تؤسسها الأكاديمية الصينية للعلوم، في سياق الجهود الوطنية الهادفة آنذاك إلى حماية مشروع خط سكة حديد “باوتو – لانتشو” الحيوي من زحف الرمال، ضمن استراتيجية الصين لتطوير الشمال الغربي وربط المناطق الداخلية بممرات النقل الكبرى.
وفي تلك الحقبة، لم تكن شابوتو سوى منطقة صغيرة تضم أقل من عشرة منازل وعددا محدودا من السكان على ضفاف النهر الأصفر، غير أن توافد الباحثين والخبراء من مختلف القطاعات حوّلها إلى ورشة علمية مفتوحة لمواجهة التصحر وبناء السكك الحديدية وسط الصحراء، لتصبح لاحقا واحدة من أبرز القواعد العالمية المتخصصة في علوم الصحراء ومكافحة زحف الرمال.
واستعرض القائمون على المحطة المراحل التاريخية لتطورها، حيث أصبحت عام 1990 محطة أبحاث مفتوحة تابعة للأكاديمية الصينية للعلوم، وانضمت سنة 1992 إلى شبكة أبحاث النظم الإيكولوجية الصينية، قبل أن تصنف لاحقا محطة وطنية رئيسية للمراقبة العلمية الميدانية، وتحصل على اعتماد رسمي كمحطة وطنية لمراقبة النظام الإيكولوجي لصحراء شابوتو.
كما تحولت المحطة إلى منصة دولية للتعاون العلمي والبيئي، إذ أصبحت موقعا بحثيا معتمدا من طرف برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، إلى جانب عضويتها في عدد من الشبكات الدولية المتخصصة في مراقبة البيئة والتغيرات المناخية ومكافحة التصحر.
وتقع المحطة على ارتفاع 1250 مترا فوق سطح البحر، في منطقة انتقالية فريدة تجمع بين خصائص المناخ القاحل وشبه القاحل، ما يمنحها أهمية استثنائية في أبحاث الجغرافيا الطبيعية والتغيرات البيئية والتخطيط الزراعي. فالمنطقة الواقعة شرق المحطة تتميز بالسهوب الجافة، بينما تبدأ الصحراء الحقيقية غربها، كما تشكل نقطة تحول بين الزراعة المطرية والزراعة المروية بمياه النهر الأصفر.
وخلال جولته داخل المحطة، اطلع الوفد الإعلامي على التجارب العلمية التي قادت إلى ابتكار منظومة متكاملة للتحكم في الرمال وتثبيتها، تقوم على مبدأ التثبيت والصد، باستخدام المربعات العشبية والنباتات الصحراوية والأحزمة الخضراء ومصدات الرياح، وهي التقنيات التي نجحت في حماية السكك الحديدية وتحويل مساحات واسعة من الكثبان الرملية إلى مناطق مستقرة بيئيا.
كما شاهد الوفد نماذج حية لتقنيات التثبيت البيولوجي للرمال وزراعة الشجيرات الصحراوية، إضافة إلى استخدام الوسائل الميكانيكية الحديثة التي رفعت كفاءة عمليات مكافحة التصحر وخفضت التكاليف بشكل كبير، في تجربة أصبحت اليوم مرجعا عالميا في إدارة البيئات الصحراوية.
ولم تقتصر أهمية شابوتو على الجانب العلمي والبيئي فحسب، بل تحولت إلى فضاء سياحي متكامل يجمع بين البحث العلمي والترفيه البيئي، حيث يستمتع الزوار بالتجول بين الكثبان الرملية والممرات الخضراء، وركوب القوارب على النهر الأصفر، ومشاهدة غروب الشمس فوق الصحراء في مشهد يأسر الأنظار ويجسد صورة الصين الحديثة التي نجحت في تطويع الطبيعة وتحويل التحديات البيئية إلى فرص للتنمية والسياحة والاستدامة.





