في إطار الدورة التدريبية المتخصصة الموجهة للإعلاميين ومسؤولي المؤسسات الصحفية من موريتانيا، التي ينظمها ، واصل الوفد الإعلامي الموريتاني برنامجه الاستطلاعي بمدينة ، عاصمة منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوي، حيث قادته الزيارة صباح اليوم إلى واحد من أبرز المشاريع الصينية الرائدة في مجال الطاقة النظيفة ومكافحة التصحر، والمتمثل في محطات الطاقة الشمسية بمنطقة شابوتو على أطراف صحراء تنغر.
وقد حظي الوفد باستقبال من طرف إدارة مشروع الطاقة الشمسية وإدارة مكافحة التصحر، حيث قدمت له شروح مفصلة حول آليات عمل المشروع، وأهدافه البيئية والتنموية، والدور الذي يؤديه في الحد من زحف الرمال وتعزيز إنتاج الطاقة النظيفة في المنطقة.
وخلال الزيارة، استمع الوفد إلى عرض قدمته حول الجهود المبذولة لإنشاء مشاريع “النماذج الخمسة”، ضمن الاستراتيجية الوطنية الصينية الرامية إلى تسريع بناء قواعد كبرى لطاقة الرياح والطاقة الكهروضوئية في مناطق “الصحاري والفيافي والقفار”.
وأكد القائمون على المشروع أن المجموعة تعمل على التنفيذ الصارم لتوجيهات اللجنة المركزية للحزب الصيني ومجلس الدولة، من خلال الدفع بقوة نحو تطوير قاعدة الطاقة الجديدة في صحراء تنغر بمنطقة نينغشيا، بهدف تحويلها إلى نموذج وطني رائد في مجالات الطاقة النظيفة منخفضة الكربون، والتنمية البيئية المستدامة، والابتكار التكنولوجي، ومكافحة التصحر، وتعزيز التكامل بين الاقتصاد الأخضر وحماية البيئة.
ووقف الوفد عن قرب على التجربة الصينية الفريدة التي نجحت في تحويل الرمال المتحركة إلى فضاءات خضراء نابضة بالحياة، عبر نموذج تنموي متكامل يجمع بين إنتاج الطاقة الشمسية، واستصلاح الأراضي، وتثبيت الكثبان الرملية، وتحقيق التوازن البيئي في واحدة من أكثر المناطق الصحراوية تحديا.
وتعمل الألواح الشمسية في هذه المشاريع العملاقة كمنظومة بيئية متكاملة، إذ تؤدي دور “المظلات الواقية” التي تخفض درجات حرارة التربة، وتقلل من معدلات التبخر بنسبة كبيرة، وتساعد على الاحتفاظ بالرطوبة، ما يوفر بيئة مناسبة لنمو النباتات والأعشاب الطبية بين صفوف الألواح، في وقت تسهم فيه الهياكل المعدنية الحاملة للألواح في خفض سرعة الرياح السطحية بنسبة تصل إلى 50%، والحد من زحف الرمال.
ويعتمد المشروع على نظام طبقي ثلاثي متطور يقوم على توليد الطاقة فوق الألواح، واستغلال المساحات الفاصلة بينها في الزراعة، إلى جانب تثبيت التربة بالشبكات العشبية والتقنيات البيئية الحديثة تحتها، وهو ما مكن المنطقة من استعادة جزء معتبر من تنوعها البيولوجي وتحسين جودة تربتها بشكل لافت، وفق الدراسات البيئية المحلية.
كما اطلع الوفد الإعلامي على التجربة التاريخية لمحطة ، التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم، والتي تأسست عام 1955 لحماية خط سكة حديد “باولان” من زحف الرمال، قبل أن تتحول إلى مركز عالمي رائد في أبحاث التصحر والتحكم في الكثبان الرملية.
وبعد سنوات طويلة من التجارب والأبحاث، ابتكر علماء الجيل الأول في محطة شابوتو منظومة متكاملة لحماية السكك الحديدية والتحكم في الرمال تقوم على مبدأ “التركيز على التثبيت، والجمع بين التثبيت والصد”، حيث يتم تثبيت الرمال محليا بواسطة المربعات العشبية والنباتات الصحراوية، بينما تقام حواجز ومصدات أمامية لمنع تسرب الرمال القادمة مع الرياح.
وتنشأ المربعات العشبية وفق نظام هندسي دقيق بمقاس متر واحد في متر واحد، باستخدام أعشاب لا يقل طولها عن 60 سنتيمترا، يتم غرسها داخل الرمال بعمق يتراوح بين 10 و15 سنتيمترا، مع إبقاء جزء ظاهر فوق سطح الرمال بارتفاع لا يقل عن 15 سنتيمترا، ما يساعد على كبح حركة الرمال وتثبيت التربة.
وبعد تثبيت هذه المربعات، تنثر بذور النباتات الصحراوية مثل الشيح والأرز الصحراوي بمعدل كيلوغرام واحد لكل “مو” صيني، لتقوم الرياح بتجميع البذور والرمال حول أطراف المربعات، ومع تساقط الأمطار تبدأ النباتات بالنمو وتشكيل “مربعات نباتية حية” تحل تدريجيا محل المربعات الجافة، محققة تثبيتا دائما للكثبان الرملية.
كما تستخدم فرق البحث خلال موسمي الربيع والخريف أدوات محمولة مبتكرة لزراعة الشجيرات الصحراوية مثل الكاراجانا والهاموديندرون، بكثافة تصل إلى 220 شجيرة لكل “مو”، بما يساهم في إنشاء أحزمة خضراء واقية من التصحر.
وأثمرت ثلاث سنوات من الأبحاث والتجارب عن ابتكار أداة محمولة متطورة لغرس الشتلات الصحراوية، تتكون من مقبض يدوي ودواسة قدم ومجرفة غرس، وقد رفعت هذه التقنية نسبة نجاح نمو الشتلات بـ25% مقارنة بالطرق التقليدية، كما خفضت تكاليف العمالة بـ50%، وبدأ استخدامها الواسع منذ عام 2016، حيث تجاوزت المساحات المستصلحة بواسطتها 500 ألف “مو”.
وفي السابق، كانت عملية إنشاء المربعات العشبية تعتمد بالكامل على العمل اليدوي، إذ لم يكن العاملان قادرين على إنجاز أكثر من 3.6 “مو” يوميا، بينما مكنت التقنيات الميكانيكية الحديثة من رفع القدرة اليومية إلى نحو 6 “مو”، بزيادة تفوق 60% في كفاءة العمل، إلى جانب خفض التكاليف وإطالة العمر الافتراضي للمربعات من ثلاث سنوات إلى ست سنوات، مع إمكانية إعادة استخدامها، وهي التقنية التي حصلت على براءة اختراع وطنية في الصين.
كما شاهد الوفد نماذج مصورة توثق التحول التاريخي الذي عرفته المنطقة بين أعوام 1956 و1980 و2018، حيث تحولت الأراضي الرملية القاحلة إلى غابات بيئية وأحزمة خضراء ومزارع ومنشآت للطاقة الكهروضوئية، في تجربة أصبحت اليوم مرجعا عالميا في مكافحة التصحر والتنمية البيئية المستدامة.
وتعد قاعدة نينغشيا للطاقة الشمسية واحدة من أكبر قواعد الطاقة النظيفة في الصين، حيث تمتد على مئات الآلاف من الأفدنة بمحاذاة صحراء تنغر، وتنتج كميات ضخمة من الكهرباء النظيفة التي تغذي المدن والمناطق الصناعية، ضمن رؤية صينية تهدف إلى الوصول للحياد الكربوني وتعزيز الاقتصاد الأخضر.
كما اطلع الوفد الإعلامي على مشروع “نقل كهرباء نينغشيا إلى هونان” لنقل التيار عالي الجهد المستمر (UHVDC)، والذي يوصف في الصين بالطريق السريع للطاقة، لما يمثله من نقلة نوعية في مجال نقل الكهرباء النظيفة عبر مسافات طويلة بكفاءة عالية.
ويمتد المشروع من محطة تحويل تشونغ نينغ في نينغشيا كنقطة انطلاق، مرورا بمقاطعات قانسو وشانشي ومدينة تشونغتشينغ وهوبيي، وصولا إلى محطة تحويل هنيانغ في مقاطعة هونان كنقطة نهاية، بطول إجمالي يبلغ 1616 كم، فيما تصل استثماراته إلى نحو 28.1 مليار يوان صيني.
كما تبرز هذه المشاريع حجم التقدم الكبير الذي حققته الصين في مجال الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الحديثة، حيث قطعت أشواطا واسعة في تطوير البنية التحتية للطاقة النظيفة وتعزيز الابتكار الصناعي والبيئي، بالتوازي مع نهضتها المتسارعة في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والتنموية، ما جعلها اليوم واحدة من أبرز القوى العالمية الرائدة في مجالات التنمية المستدامة والطاقة الخضراء.





