ضمن فعاليات الدورة التدريبية المتخصصة الموجهة للإعلاميين ومسؤولي المؤسسات الصحفية من موريتانيا، التي ينظمها ، احتضنت العاصمة الصينية محاضرة علمية رفيعة المستوى ألقاها الدكتور شوي تشينغ قوه، أستاذ ، تحت عنوان: «تجربة التحديث الصيني: ما لها وما عليها»، وذلك في إطار البرنامج الأكاديمي والفكري المصاحب للدورة التدريبية.
وقد شكلت المحاضرة محطة معرفية ثرية استعرض خلالها المحاضر التحولات الكبرى التي شهدتها الصين منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح سنة 1978، مسلطا الضوء على المسار الاقتصادي والتنموي الذي مكن البلاد من تحقيق واحدة من أكبر القفزات الاقتصادية في التاريخ المعاصر، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للصين من 216 مليار دولار سنة 1978 إلى ما يناهز 19.6 تريليون دولار سنة 2025، مع نسبة نمو بلغت 5%، في وقت تشهد فيه الاقتصادات الكبرى تباطؤا نسبيا في النمو.
كما تناولت المحاضرة تطور نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين، والذي انتقل من 155 دولارا فقط سنة 1978 إلى أكثر من 13 ألف دولار سنة 2025، لتحتل الصين المرتبة الثامنة والستين عالميا، وهو ما يعكس بحسب المحاضر التحسن المتسارع في مستويات المعيشة، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بالفوارق التنموية بين الأقاليم والمدن والأرياف.
وأوضح الدكتور شوي تشينغ قوه أن التجربة الصينية قامت على جملة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها اعتبار التنمية أولوية وطنية عليا، وتحرير الفكر من الجمود الأيديولوجي، والاستفادة من التجارب الإنسانية المختلفة، إضافة إلى اعتماد الإصلاح التدريجي القائم على التجريب والتقييم قبل التعميم، وهو ما جنب الصين الصدمات الاجتماعية والسياسية الحادة التي شهدتها بعض الدول خلال مسارات التحول الاقتصادي.
وأكد المحاضر أن من أبرز أسرار نجاح الصين تحقيق التوازن بين الإصلاح والتنمية والاستقرار، حيث تبنت البلاد سياسة تقوم على الانفتاح الاقتصادي المدروس، مع الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وربط الاقتصاد السوقي بالتوجيه الحكومي، بما يضمن تحفيز المبادرات الفردية مع استمرار دور الدولة في ضبط مسار التنمية وتوجيهه.
كما تطرق إلى أهمية الانفتاح على العالم وبناء بيئة دولية داعمة للتنمية، موضحا أن الصين انتهجت سياسة خارجية تقوم على السلام والاستقلالية وتعددية الأقطاب، مع تطوير علاقاتها بمختلف دول العالم، وخاصة بلدان الجنوب والعالم الثالث، بما مكنها من جذب الاستثمارات وتعزيز حضور شركاتها في الأسواق الدولية.
ولم تغفل المحاضرة التحديات والإشكالات التي صاحبت التجربة الصينية، حيث أشار الأستاذ الجامعي إلى أن الإصلاح التدريجي، رغم إيجابياته، أفرز بعض الاختلالات، من بينها اتساع الفوارق الاجتماعية، وتفاوت التنمية بين المناطق، وظهور بعض مظاهر الفساد، إضافة إلى التحديات البيئية والاستهلاك المفرط للطاقة، فضلا عن بعض الإشكالات المتعلقة بسياسات الأقليات القومية.
وفي حديثه عن “التحديث الصيني النمط”، أوضح الدكتور شوي تشينغ قوه أن هذا النموذج التنموي يتميز بخصوصيته المرتبطة بالواقع الصيني، مع احتفاظه بالصفات المشتركة لمسارات التحديث العالمية، مؤكدا أن الصين تسعى إلى بناء دولة اشتراكية حديثة قوية ومزدهرة ومتناغمة بحلول منتصف القرن الحالي، عبر مسار تنموي يقوم على الرخاء المشترك، والتناغم بين الحضارة المادية والروحية، والتعايش المتوازن بين الإنسان والطبيعة، واعتماد التنمية السلمية بعيدا عن الحروب والاستعمار.
وشدد المحاضر في ختام عرضه على أن التجربة الصينية لا تقدم نفسها بوصفها نموذجا جاهزا للتصدير، بل باعتبارها تجربة إنسانية مفتوحة وقابلة للتطوير والتعديل، تستفيد من تجارب الآخرين وتحترم خصوصيات الشعوب، مؤكدا أن لكل دولة مسارها التنموي الخاص الذي ينبغي أن ينبع من واقعها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي.
كما دعا إلى تعزيز تبادل الخبرات والتجارب التنموية بين الصين وموريتانيا، بما يخدم مصالح الشعبين الصديقين، ويعزز آفاق التعاون الثنائي في مجالات التنمية والإعلام والتكوين الأكاديمي والمعرفي.





